صابر أبو سليمان
13
اضواء البيان في تاريخ القرآن
الفصل الأول القرآن بيان ومعجزة في آن واحد اقتضت حكمة اللّه تبارك وتعالى : أن تكون معجزة الرسالة الخاتمة أو الآية الدالة على صدق الرسول في التبليغ عن ربه هي القرآن الذي جمع بين البيان الواضح ، والإعجاز القاطع لحجة المعاندين والجاحدين وذلك ليتهيأ استمرار التبليغ بعد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، واستمرار وسائل الإقناع على مرّ الزمن . وعلى هذا لم يكن دليل إعجاز القرآن قاصرا على الإعجاز البياني كما كان في عصر النزول بل كان جامعا لعدد هائل من دلائل الإعجاز بحيث يواجه كل العصور ، وجميع نواحي النشاط الإنساني في تفوق معجز يجذب إلى دعوته المزيد من الأجيال . أقول إن أئمة الكفر أنفسهم شعروا بسلطانه على القلوب - وهو القدر المتاح لهم لإدراك إعجازه البياني - فقالوا لأتباعهم : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ وذلك خوفا من سريان الروح التي شعر بها الوليد ابن المغيرة حين قال : « إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو ، ولا يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته » وهو نفس الإعجاز الذي أدرك منه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وجها يناسبه - حينما - سمع القرآن في بيت أخته فتهاوى صرح الشرك من قلبه وشمخ صرح الإيمان في كيانه ، ومن هذه الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم وتلك الهيبة التي تعتريهم عند تلاوته ، أسلم جماعة من كفار العرب عند سماعهم آياته منهم جبير بن مطعم ، فإنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، يقرأ في المغرب بالطور وقال : فلما بلغ قوله تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ إلى الْمُصَيْطِرُونَ كاد قلبي أن يطير ، وذلك أول ما وقر الإسلام